الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
110
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إِذْ بدل من يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [ الأنفال : 41 ] فهو ظرف ل أَنْزَلْنا [ الأنفال : 41 ] أي زمن أنتم بالعدوة الدنيا ، وقد أريد من هذا الظرف وما أضيف إليه تذكيرهم بحالة حرجة كان المسلمون فيها ، وتنبيههم للطف عظيم حفّهم من اللّه تعالى ، وهي حالة موقع جيش المسلمين من جيش المشركين ، وكيف التقى الجيشان في مكان واحد عن غير ميعاد ، ووجد المسلمون أنفسهم أمام عدوّ قوي العدّة والعدّة والمكانة من حسن الموقع . ولولا هذا المقصد من وصف هذه الهيئة لما كان من داع لهذا الإطناب إذ ليس من أغراض القرآن وصف المنازل إذا لم تكن فيه عبرة . والعدوة بتثليث العين صفة الوادي وشاطئه ، والضمّ والكسر في العين أفصح وعليهما القراءات المشهورة ، فقرأه الجمهور - بضمّ العين - ، وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب - بكسر العين - . والمراد بها شاطئ وادي بدر . وبدر اسم ماء . و الدُّنْيا هي القريبة أي العدوة التي من جهة المدينة ، فهي أقرب لجيش المسلمين من العدوة التي من جهة مكة . و بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى هي التي ممّا يلي مكة ، وهي كثيب ، وهي قصوى بالنسبة لموقع بلد المسلمين . والوصف ب الدُّنْيا و الْقُصْوى يشعر المخاطبون بفائدته ، وهي أنّ المسلمين كانوا حريصين أن يسبقوا المشركين إلى العدوة القصوى ، لأنّها أصلب أرضا فليس للوصف بالدنو والقصو أثر في تفضيل إحدى العدوتين على الأخرى ، ولكنّه صادف أن كانت القصوى أسعد بنزول الجيش ، فلمّا سبق جيش المشركين إليها اغتمّ المسلمون ، فلمّا نزل المسلمون بالعدوة الدنيا أرسل اللّه المطر وكان الوادي دهسا فلبّد المطر الأرض ولم يعقهم عن المسير وأصاب الأرض التي بها قريش فعطّلهم عن الرحيل ، فلم يبلغوا بدرا إلّا بعد أن وصل المسلمون وتخيروا أحسن موقع وسبقوا إلى الماء ، فاتّخذوا حوضا يكفيهم وغوروا الماء ، فلمّا وصل المشركون إلى الماء وجدوه قد احتازه المسلمون ، فكان المسلمون يشربون ولا يجد المشركون ماء . وضمير وَهُمْ عائد إلى ما في لفظ الْجَمْعانِ من معنى : جمعكم وجمع المشركين ، فلمّا قال : إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا لم يبق معاد لضمير وَهُمْ إلّا الجمع الآخر وهو جمع المشركين . و الرَّكْبُ هو ركب قريش الراجعون من الشام ، وهو العير . أَسْفَلَ من الفريقين